محمد متولي الشعراوي

9605

تفسير الشعراوي

وها هو الهدهد يقول لسليمان عليه السلام لما تفقَّد الطير ، ولم يجد الهدهد فتوعَّده : { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } [ النمل : 22 ] . ونلحظ هنا دِقَّة سليمان - عليه السلام - في استعراض مملكته ، فلم يترك شيئاً حتى الهدهد ، ونلحظ أدبه في قوله : { مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين } [ النمل : 20 ] فقد اتهم نظره وشَكَّ أولاً ، فربما الهدهد يكون موجوداً ، ولم يَرَهُ سليمان . وانظر إلى قَوْل الهدهد للملك : { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ . . . } [ النمل : 22 ] ثم معرفته الدقيقة بقضية التوحيد والعقائد : { وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله . . . } [ النمل : 24 ] . ويعترض الهدهد على هذا الشرك ، ويردُّ عليه بشيء خاص به ، وبظاهر تُهمه : { أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض . . . } [ النمل : 25 ] . فاختار الهدهد مسألة إخراج الخبْء ؛ لأن منه طعامه ، فلا يأكل من ظاهر الأرض ، بل لا بُدَّ أنْ ينبشَ الأرض ، ويُخرِج خبأها ليأكله . وكذلك النمل ، وهو أقلُّ من الهدهد ، فقد كان للنملة مع سليمان لغة ، وكلام ، وفَهْم عنها : { حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا . . . } [ النمل : 19 ] .